لو كان بإمكانك تقييم صحتك النفسية على مقياس من 10، فماذا سيكون تقييمك؟ إذا كان التقييم بين 8 و10، فهذا يعني أنك تبذل جهدًا جيدًا في رعاية صحتك النفسية والعاطفية. أما إذا كان التقييم بين 4 و7، فيشير إلى أنك تواجه صعوبة في الحفاظ على سلامك النفسي. وإذا كان التقييم بين 0 و3، فهذا يعني أنك بحاجة إلى مساعدة خارجية، وقد حان الوقت للتوقف عما تفعله والاهتمام بصحتك النفسية قبل فوات الأوان.
هناك العديد من الأمور التي تؤثر على وصول خدمات الرعاية الصحية النفسية إلى الأشخاص المحتاجين إليها.
إذن، ما هي تلك العوائق؟
أولًا، هناك وصمة العار المرتبطة بالرعاية الصحية النفسية التي تمنع المرضى من الحصول على الرعاية والعلاج اللذين هم في أمسّ الحاجة إليهما. ثانيًا، هناك الخوف من كشف المرء عن مخاوفه وأسراره الداخلية لشخص غريب تمامًا. ثالثًا، وهو أمر بالغ الأهمية، هو نقص المتخصصين في مجال الصحة النفسية. اليوم، يُعدّ فيروس كورونا، الذي قلب حياة الجميع رأسًا على عقب، أحد أهم العوامل المساهمة في تزايد المخاوف والأمراض المتعلقة بالصحة النفسية.
ولتوضيح النقطة الثالثة، ثمة فجوة هائلة بين عدد المرضى الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية وعدد المتخصصين في الرعاية الصحية النفسية الذين يمكنهم الوصول إليهم. ففي الدول المتقدمة، تصل نسبة المتخصصين في الرعاية الصحية النفسية، كالأطباء النفسيين وعلماء النفس والمرشدين والأخصائيين الاجتماعيين النفسيين وممرضي الصحة النفسية، إلى المرضى إلى 1:10000. فكيف لنا، في ظل هذا العدد الهائل، أن نضمن وصول الدعم النفسي في الوقت المناسب إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه؟
وهنا تدخلت التكنولوجيا لتقديم دعمها لمتخصصي الرعاية الصحية النفسية في مساعدة المرضى على التعامل مع مخاوفهم واضطراباتهم النفسية.
بمعنى آخر، تتضافر جهود العديد من شركات التكنولوجيا من مختلف أنحاء العالم لمساعدة المرضى في التغلب على مشاكلهم النفسية. كيف يفعلون ذلك؟
إليكم الجواب: بمساعدة الذكاء الاصطناعي وبرامج الدردشة الآلية.
مع هذا، يطرح السؤال نفسه: هل روبوتات الدردشة هي مستقبل الرعاية الصحية النفسية حقاً؟
دعونا نؤجل الحديث عن الصحة النفسية مؤقتًا! تخيل أنك تعيش وحيدًا وتعود إلى منزلك بعد يومٍ شاق! كم سيكون جميلًا لو كان هناك من يسألك عن حالك؟ كبشر، أحيانًا كل ما نحتاجه هو هذا النوع من الرعاية والدعم - شخص نتحدث إليه ونفضفض له عن أحداث يومنا.
أما بالنسبة للأشخاص الذين لا يجدون من يلجؤون إليه، فيمكن لبرامج الدردشة الآلية أن تصبح بمثابة عائلة ثانية، أو صديق، أو أي مسمى آخر. نعم، يوجد اليوم العديد من برامج الدردشة الآلية التي تهدف إلى تقديم دعم فوري في مجال الصحة النفسية. وقد طُوّرت هذه البرامج خصيصًا لمتابعة المرضى بشكل استباقي، والاستماع إليهم، والتواصل معهم، والأهم من ذلك، اقتراح أنشطة لتحسين صحتهم النفسية بشكل عام.
ببساطة، تعمل هذه الروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي كخط دعم أول للمرضى الذين يعانون من مشاكل الصحة العقلية.
هل يمكنك الوثوق بهذه الروبوتات الدردشة؟
نعم، الإجابة هي نعم. مع ذلك، توخَّ الحذر عند استخدام تطبيقات الرعاية الصحية النفسية. فبينما تُصمَّم بعض التطبيقات بعناية وتُنفَّذ تحت إشراف متخصصين في الصحة النفسية، قد لا يكون الأمر كذلك بالنسبة لتطبيقات أخرى. لذا، استشر متخصصًا في الصحة النفسية قبل أن تثق بأيٍّ من تطبيقات أو برامج الدردشة الآلية الخاصة بالرعاية الصحية النفسية.
كيف تعمل هذه الروبوتات الدردشة؟
تعتمد برامج الدردشة الآلية على أطر عمل معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، وهذا ما يساعدها على التفاعل مع البشر. وقد يكون هذا التفاعل على النحو التالي:
- تكلم
- التواصل الكتابي – رسائل الدردشة، أو
- حتى استخدام العناصر البصرية للتواصل مثل عرض الصور مع الحوارات
ويرى الخبراء أن "التنبؤ بالانتحار والوقاية منه، وتحديد العوامل المنبئة بالاستجابة، وتحديد الدواء الأنسب لمريض معين، هي بعض المجالات التي وُجد فيها أن برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي مفيدة في الطب النفسي"
مزايا روبوتات الدردشة في مجال الرعاية الصحية النفسية
تدعم هذه الروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي المرضى مع توفير مستوى عالٍ من الخصوصية وعدم الكشف عن الهوية. وبذلك، يتم التغلب على المشكلة الثانية المذكورة سابقًا، وهي سبب عزوف الناس عن الحصول على الدعم النفسي الذي يحتاجونه.
يمكن أن تكون هذه الروبوتات الدردشة أفضل رفاقك. على عكس البشر، فهي لا تتعب أبدًا. يمكنها الاستماع إليك على مدار الساعة والتحدث معك دون انقطاع من أي مكان وفي أي وقت. ليس هذا فحسب، بل إن بعض الروبوتات المصممة بعناية يمكنها أيضًا تقديم علاج شخصي يتضمن مفاهيم مثل العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج السلوكي الجدلي، واليقظة الذهنية.
مع ذلك، ومع اتجاه العالم نحو المزيد من الحلول القائمة على التكنولوجيا، فمن يدري، ربما نشهد في الأيام المقبلة روبوتات محادثة ومنصات علاجية أكثر قوة وفعالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
هل هناك أي شيء مثير للقلق بشأن روبوتات الدردشة التي تقدم الدعم في مجال الرعاية الصحية النفسية؟
لا شك أن بعض برامج الدردشة الآلية تدعم العاملين في مجال الرعاية الصحية النفسية المرهقين من خلال تقديم المساعدة التي تشتد الحاجة إليها للمرضى نيابة عنهم.
مع ذلك، ثمة حدود لما يمكن أن تفعله هذه الروبوتات الدردشة وما تقدمه. فرغم فائدتها الكبيرة في تشخيص المرضى والتواصل معهم لتجنب تفاقم حالتهم، إلا أنها لا تستطيع فعل أكثر من ذلك.
ما هو الشيء الذي يتوق إليه جميع البشر ويتطلعون إليه؟ نعم، إنها الرفقة والتعاطف. مع أن برامج الدردشة الآلية لن تحكم عليك بناءً على ما تقوله، إلا أنها قد لا تتمكن أبدًا من التعاطف كما يفعل البشر. لا يزال أمام برامج الدردشة الآلية طريق طويل. ومع ذلك، يبذل الباحثون جهودًا حثيثة لتطوير قدرتها على التعاطف. وحده المستقبل كفيل بكشف إمكانيات هذه البرامج.
من سلبيات برامج الدردشة الآلية أنها متاحة على مدار الساعة، مما يزيد من احتمالية تعلق المستخدمين بها واعتمادهم المفرط عليها، وبالتالي عزلهم عن الآخرين وعن العالم. وهذا الإفراط لا يجلب إلا الضرر
ختاماً
يمكن أن تكون برامج الدردشة الآلية مفيدة للغاية في المساعدة في التشخيص الأولي والتدخلات المبكرة وتخفيف بعض أعراض الصحة العقلية، ولكن لا يمكنها فعل أكثر من ذلك.
وبالطبع، فإن قدرة برامج الدردشة الآلية على التفاعل مع المرضى في أي وقت ومن أي مكان تُسهم في مراقبة وإدارة حالات الصحة النفسية بكفاءة، لا سيما فيما يتعلق بتغيير طريقة تفكير المرضى ومعالجتهم للمعلومات. فهي تلعب دورًا حاسمًا في تعديل سلوكهم من خلال تشجيعهم على تحويل أفكارهم السلبية إلى أفكار إيجابية.
لكن تجدر الإشارة إلى أن برامج الدردشة الآلية وتطبيقات العلاج النفسي لا تزال في مراحلها الأولى، وتحتاج إلى مزيد من البحث والتطوير لضمان تقديم العلاج الأمثل للمرضى. ورغم أن هذه البرامج قد تُشكل مصدرًا إضافيًا للمرضى الباحثين عن مساعدة أولية، إلا أنها لا تُغني عن قنوات العلاج التقليدية والتواصل الإنساني الذي يُوفره أخصائيو الصحة النفسية. كما يُنصح بعدم السماح لبرامج الدردشة الآلية بالتدخل في إجراءات العلاج، لأن أي خطأ قد يُؤدي إلى عواقب وخيمة على المريض.
قد تُحدث برامج الدردشة الآلية تحولاً جذرياً في مستقبل الرعاية الصحية النفسية. لكن هذا التحول لا يزال في مراحله الأولى، ولا يزال الطريق طويلاً.

